قراءة في ديوان باتجاه الشمس
" وما أنا إلا من غُزيّة ..
إذ أنا منكم .. وغُزيّة هنا هي اللغة التي ترجع إليها أصولنا وننتسب إلى شجرتها ..
لغتي لغتكم . ولهذا أنزلتها لتدخل بساتين قلوبكم ... لتحصد لي منكم حنطة الفرح .. وتقاسمكم اُلحلمَ وُالحبَ .. والخبزْ ..
هكذا أردت لها أن تكون .. جريئة كرائحة الشمس...
الحروف نبؤوة الغد والكلمة بشرى الزمن الآتي ..
وهذا قلبي أضعه بين أكفكم الحنونة .. قلّبوا أوراقه .. تأملوا ملامحه ... فعسى أن تجدوا بين ( طياته ) ما يصافح دهشة أعينكم .. هاتوا أيديكم ودعونا نركض سويا ً في حقول الشمس قبل أن تطفئ الأيام فينا رغبة الرقص على إيقاع نغم ٍ شاردٍ في غابات الحلم الخصيب .." ( مقدمة الديوان )
******
بهذه المُفتتح الملطّف باتجاه عرض التجربة الشعرية وفي حضرة الشعر.. ُكتبَ الديوان الشعري ( باتجاه الشمس ) قدم الشاعر فيه رؤيته المبعوثة إلى متلقيه مقدما ُ ذاته الشاعرة حين تشعُر وتُشعِر به محترما ً قارئه احتراما ً يتجلى فيه تواضع الكلمة التي تجعلُ لها في الأنفُس مكانا ً أنفس .. كلمة ُتقدم ما تتمنى أن ينال القبول حين اقتحام الشعور باستئذان لطيف ُمحبب إلى الروح ؛ دون تنميط فاتحته كما نلحظ في بعض الدواوين الشعرية ،. وله في ذلك أنه ُلمس القلوب قبل أن يملأها شعرا ً ومقاصد ، ومُبينا ً بشكل ضمني أسفه على غريب اللغة وتقعير المفردات وما آلت إليه .. من تراكيب واشتقاقات غير مُستساغة توْهمْ شعرا ً.
ديوان عبّرَ عنوانه عنه ؛ دون أن نحتاج من مُبدعه أن يُجلي لنا أحاسيسه معلنا ً أنها تجربه يستلطف بها ومنها قلب المتذوق للشعر ويقدمها دون مُفاخرة .. وباتجاه الشمس أي أنها ( تجربته ) ستشرق إن تقبلتها الذائقة , و أرى أن هذا هو ( أدب تقديم الأدب ).
بدأ الديوان بقصيدة ( فاتحة )
فكانت البداية ذكية يُفضل بعض الشعراء - وهم قلة - وضعها مُفتتح لدواوينهم تقديراً للمتلقي.
الفكرة في ( فاتحة ) مقتبسة من كتاب الله – عز وجل - ، هذا الأسلوب الأدبي الرائع يبين لنا درجة وعي الأديب المثقف بكيف يبدأ ؟! .. بتحية المطلع أولاً والسلام عليه بصوت ٍ مخطوط يصافح فيه القلب والعين معا ً ، وتتأمل النفس تأثيرات هذا السلام الورقي المحبب الذي يحمله في سطور ؛ أدب التعامل والعيش في أجواء اللحظة والمعايشة أثناء التلقي .
يقول الشاعر في قصيدته ( فاتحة ):
" هذا أنا نغم ٌ على هجع الضمأ
لغة ٌ لغير ِ أوانها
تزهو على كف الفيافي للحقيقة ِ موسما
وتصبُ في ضمأ السكون ِ لهيبها
تهبُ الظلامَ الأنجما
دفءٌ أنا يا صاح .. حرف ٌ نافر ٌ
يأبى بأن يرتاح أو يتأقلما
فافتح برفق ٍ بعض َ أحلامي التي
أودعتها قلبي لكي يتكلما "
من أول الأبيات يقدم الشاعر نفسه " هذا أنا نغم ٌ " ... جاء للتغني فكتب الإيقاع المؤنس المشعور ولنا أن نُحيل مفردة " نغم ٌ " حين استمرارها إلى .. عذابات ..أحلام .. لحظات .. نبض .. أشياء يُحسها فترجمها إلى نغم .. لحن منعش وآخر معذب ؛ فكأن الألم له عذوبة إن استمر عزفه على منوال موحد بتراتبية فيتصاعد مع تلك العذوبة الخط البياني للقصيدة
" لغة لغير أوانها " .. تبتدئ هنا حالة التشظي .حيث انطلقت من " لغير أوانها " فتُحملنا الرجوع إلى المقطع الأول لتعيد لنا لماذا لغير أوانها ؟!
تعبير يفسره ما قبله .. "على هجع الظمأ "
تستمر الذات الشاعرة باعتزازها باللغة لكنها متألمة ، ذلك عند توظيف مفردات الشجن ( هجع الظمأ / لغير أوانها / ظمأ / السكون / بعض أحلامي / لكي يتكلما ..)
ورغم ذلك لم تختفي النشوة وإن ساد النغم الحزين وتسيد معظم المقاطع بتراتبية إذ نجدها في مقاطع أخرى تعود مها الذات متفائلة تبرزها كذلك مفردة ( نغم ٌ ) ثم ( تزهو / للحقيقة / تصب / موسما )
قصيدة مُشبّعة بالإرتفاع والسمو تارة وتارة بالأمل الحزين . كثافة اللفظة المنتقاة بعناية بررّت قِصر المقاطع إلى خمسة ، ولا تكف اللغة في هذا الديوان عن امتطاء النغمة الشاجنة والعزف الأليم في بدايته وفي المنتصف أيضاً وحتى في آخر قصائده ..ونستشعر ذلك مقدماً إذ نرى إتكاء النصوص على عتبات عناوينها كتقدُمة مهيئة أجواء المتلقي لاستقبال ذائقته لحالة من وجع الحياة يصورها الشاعر قبل بوحه.
إن َاختيار العنوان حرفة تحكمها الحالة الشعورية ومستواها وثقافة الشاعر بالمفردات المعبرة التي كلما قلّت اتسعت آفاق التأويل كما يقصد الجرجاني
وعند النظر في قصائد الديوان نجد أنها 42 قصيدة 21 قصيدة منها ذات عناوين تميل إلى الأحزان مقابل 21 قصيدة أخرى تنوعت أغراضها .
وعناوين القسم الأول منها جاء كالتالي :
أشياء من وجع الغياب – شروخ في ذاكرة الزمن الأخضر – مرثية رجل لم يمت – الخراب- الرحيل المر – الأخيرة – طريق الأحلام – مصالحة – خارطة العودة - خبز الموتى – الطفولة القاتلة – الهزيمة – الموت بالمجان – محاولة فاشلة – زمان آخر – الشتات – رائحة اليأس – رسالة إلى نسر عجوز – التغريبية – تداعيات طريق – كهوف الصمت )
أن هذا الملمح ليؤكد لنا حجم الشعور غير المتكلف وتواجد الحياة الموجعة لحظة الكتابة ، حالة تمر بها الذات تسبر غور مكنوناتها ألآم ، جراح ، أسى ، . .. هموم .. فتستريح تلك الذات بعد الكتابة فالكتابة صنفها البعض بأنها راحة ، وغير واحد بأنها علاج ، إذ هي إخراج ما احتدم .. ، ولاشك أنها سلوة.
في قصيدة ( الرحيل المر ) / أو ( رمضاوية رجل ٌ يمشي وحيدا ً كما هي مسماة من الشاعر في موسوعة البابطين ) والتي أرى أنها الأكثر من بين قصائد الديوان كثافة في اللفظة و ابتكار لمفردة تسمح بتآويل أكثر شسوع حيث تجلت فيها تراكيب لغوية وصور وخيالات مشبعة باللغة العذبة والروىء والجمال حيث يقول الشاعر لحظة رحيله من عالم حقيقي إلى عالم افتراضي حكمت اللحظة الشعرية للشاعر الرحيل إليه.
راحل ٌ تنزِف ُ الُدروب دروبا
تنحني الشمس في ُدجاه مغيبا
راحلٌ .. راحلٌ .. خُطاه حيارى
يضرم الوهم في سراها الوثوبا
يسكن الريح . تمتمات الفيافي
ساكبا ُ لونه احتمالاً مُريبا
وفي قصيدة رسالة إلى نسر ٍ عجوز
يقتنص الشاعر من طبيعة النسر صفة العلو والتحليق
لُيعاتب الذات اليائسة إذ يقول :
افرد جناحيك فوق الغيم وانطلق ِ
يا سيد الطير واضرب في مدى الأُفق ِ
ماهنت للسفح يوما ً كيف تألفه ؟
هل مسّك الضُرُ فاستسلمت للفَرَق ِ
أضاق َ منك َ فضاء ٌ أنت َ سيده ُ؟
أم ضقت ذرعا ً بأحلام الصبا النزق ِ
هذي الذرى الشمُّ هل أنكرت لذتها
وأنت تُملي عليها قصة الألق ِ
تبثها بعض أشواق ٍ هنا سألت
عن الضياء الذي يشتاق للفلق ِ
لمن تركت هوى التحليق منكسرا ً
أما شعرت بشوق الزهر ِ للعبق ِ
لا تترك الجو للغربان تذرعه
وأنت تغفو على المجهول والحرق ِ
قم يا صديقي فقلب الغيم منتظرا ً
افرد جناحيك فوق الغيم وانطلق
لا أكتب بصفتي ناقدا ً مُتمرسا ً أو عارفاًً بالقراءات النقدية أو النقد التطبيقي تحديدا ً بل لست سوى متذوق للغة العذبة والمعنى الجميل وأبين هنا ما استجملته من صياغة الديوان لطريقة كتابة مقدمته مرورا ً على بعض القصائد التي أثرتْ لغتي وأُعجبت بما فيها من صور شعرية.
باتجاه الشمس : مجموعة شعرية
الشاعر : أبو الفرج عبد الرحيم عسيلان
من إصدارات نادي المدينة المنورة الأدبي
1430هـ
صالح الحسيني