كنت عقيقاً أحمر موغلا في صخريتي متمسكا بفطرتي وبدائيتي ولدت في أحشاء صخرة بباطن وادي العقيق من ظهر بركان تمخض في حرةٍ بيثرب .. كنت بوجه صقيل أحمرالخدين لمّاع الجبين .. أورثتني أمي لمعة عينيها فكلما اخترق الضوء موشوري تطايرت منه سبعة بروق كل بارقة دريّة اللون ورائحتها عنبر ..أرضعتني أمي شيئاً من السليكون ممزوجا بالمغنزيوم والألمنيوم فقويت به جلمودية تركيبتي وعشت آمنا في صخريتي من وهج الشمس محميا بقشرتي من لفح الريح وقر البرد لا يقدر متسلل على دق وحدتي ولا غاصب على فتح جرحي ..
…تمازجت وتماثلت في وادي العقيق ..
وحين أمسك بي صاحبي أول مرة قال لي : إنك حجر نصف كريم تمازجت فيه نورانية الحجر بوفاء البشر
واستغرب مني ذلك البريق الذي أشد ما يتماهي في يناير
..
وقال لي : كن فصاً من عقيق
!
لم يكن سهلا أن أكون فصاً إلا بعد أن سُحلت فوق الرمل ودقت فوق رأسي مناشير الحجر وصلبتُ في حفرة يضربونني بمطارق من حديد .. خرجت إلى العراء مليماً كظيماً فتلقفتني يده لتعلمني الحبو من جديد ، سقاني من ماء يقطينة بعد الصقل حتى صرت فصاً يألف يده لا يد سواه
..
وقال لي: كن خاتماً !
وصرت في أصبعه خاتماً من عقيق !
وفاء الطيب كتبتها في 3 يوليو 2010 الساعة: 00:56 ص المصدر
فعلاً : كل شيء يمكن أن يُصاغ كمادة أدبية ؛ لكن متى.؟!!
عندما يكتبهُ من يمتلك طاقة إبداعية وحاسة رؤيوية للأشياء
ما قرأت هنا في معاناة عقيق أحمر : الأنسنة بكثافة ، والعمق ، والدهشة.
ومسيرة حجر العقيق الأحمر هي نفسها مسيرة الإنسان في هذه الحياة التي تحفر عميقا في شخصيته حتى تحدث تغييرات جذرية في ملامحه النفسية وتصبغ مواقفه في مواجهة قسوتها ونعومتها
هي الحياة بكل قسوتها ولينها ضراوتها ونعومتها لابد ان تحدث تغييرا في شخصية الإنسان
فالصحراوي الجاف يلين جانبه وتشف شخصيته وابن المدينة الناعم المترف يكتسب الصلابة في مواجهة مواقفها المختلفة